العيني

249

عمدة القاري

ليأخذها غصباً وجب على المودع عنده أن يكذب بمثل : أنه لا يعلم موضعها ، بل يحلف عليه . قوله : ( ثنتين منهن ) ، أي : كذبتين من هذه الكذبات الثلاث كانتا في ذات الله تعالى ، أي : لأجله ، وإنما خص هاتين الثنتين لأنهما في ذات الله لأن قصة سارة وإن كانت أيضاً في ذات الله ، لأنها سبب لدفع كافر ظالم عن مواقعة فاحشة عظيمة ، لكنها تضمنت حظاً لنفسه ونفعاً له بخلاف الثنتين المذكورتين ، لأنهما كانتا في ذات الله محضاً ، وقد وقع في رواية هشام بن حسان : أن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات ، كل ذلك في ذات الله تعالى ، وعند أحمد من حديث ابن عباس : والله إن جادل بهن إلاَّ عن الله . قوله : ( بينا هو ) ، أي : إبراهيم وسارة معه . قوله : إذ أتى ، جواب : بينا إذ أتى إبراهيم . قوله : على جبار ، يعني : مر على جبار من الجبابرة ، وفي رواية مسلم : وواحدة في شأن سارة ، أي : خصلة واحدة من الثلاث المذكورة ، فإنه قدم أرض جبار ومعه ارة ، وكانت أحسن الناس ، واسم هذا الجبار : عمرو بن امرئ القيس بن سبأ ، وكان على مصر ، ذكره السهيلي ، وهو قول ابن هشام في ( التيجان ) وقيل : اسمه صادوف ، بالفاء حكاه ابن قتيبة ، وأنه كان على الأردن ، وقيل : سفيان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح صلى الله عليه وسلم ، حكاه الطبري ويقال : إنه أخو الضحاك الذي ملك الأقاليم ، وقيل : إنه ملك حران . وقال علماء السير : أقام إبراهيم بالشام مدة فقحط الشام ، فسار إلى مصر ومعه سارة . وكان بها فرعون ، وهو أول الفراعنة ، عاش دهراً طويلاً ، فأتى إليه رجل ، وقال : إنه قدم رجل ومعه امرأة من أحسن الناس ، وجرى له معه ما ذكره في الحديث . قوله : ( فأرسل إليه ) ، أي : أرسل هذا الجبار إلى إبراهيم . قوله : ( فقال من هذه ؟ ) أي : فقال الجبار : من هذه المرأة ؟ قال : أختي ، وفي رواية مسلم : فأرسل إليها فأتى بها ، فهذا يدل على أنه أتى بها حين أرسل إليه الجبار ، ورواية البخاري تدل على أنه أرسل إليه أولاً وسأل عنها ، ثم أتى إبراهيم إليها ، وقال لها ما ذكره في الحديث ، ثم أرسلها إليه . قوله : ( فقال : يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك ) ، قيل : يشكل عليه كون لو معه وأجاب بعضهم بأن مراده بالأرض : الأرض التي وقع له بها ما وقع ، ولم يكن لوط معه ، إذ ذاك . فإن قلت : ذكر أهل السير أن إبراهيم سار إلى مصر ومعه سارة ولوط . قلت : يمكن أنه سار معه إلى مصر ولم يدخلها معه ، فأتى الجواب المذكور كما ذكره ، والله أعلم . قوله : ( فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني ) ، وكانت عادة هذا الجبار أن لا يتعرض إلاَّ إلى ذوات الأزواج ، فلذلك قال لها : إني أخبرته أنك أختي . وقيل : لو قال : إنها امرأتي لألزمه بالطلاق . قوله : ( فلما دخلت عليه ) أي : فلما دخلت سارة على الجبار . قوله : ( فأخذ ) على صيغة المجهول أي : اختنق حتى ركض برجله كأنه مصروع ، وفي رواية مسلم : فأرسل إليها فأتي بها قام إبراهيم يصلي فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يديه إليها فقبضت يده قبضة شديدة ، وعند أهل السير : فلما دخلت عليه ورآها أهوى إليها فتناولها بيده فيبست إلى صدره . قوله : ( الثانية ) ، ويروى : ثانية ، بدون الألف واللام ، وعند أهل السير : فعل ذلك ثلاث مرات . قوله : ( فدعت ) ، وكان دعاؤها : اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلاَّ على زوجي فلا تسلط علي الكافر . قوله : ( فدعا بعض حجبته ) ، بفتح الجيم والباء الموحدة جمع حاجب ، وفي رواية مسلم : ( ودعا الذي جاء بها ) . قوله : ( إنكم لم تأتوني بإنسان إنما أتيتموني بشيطان ) ، وفي رواية الأعرج : ( ما أرسلتم إليَّ إلاَّ شيطاناً ، أرجعوها إلى إبراهيم ) . وفي رواية مسلم : ( فقال : إنما جئتني بشيطان ولم تأتني بإنسان ، فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر ) . والمراد من الشيطان : المتمرد من الجن ، وكانوا قبل الإسلام يعظمون أمر الجن جداً ، ويرون كل ما يقع من الخوارق من فعلهم وتصرفهم . قوله : ( فأخدمها هاجر ) أي : وهب لها خادماً اسمها هاجر ، ويقال : آجر ، بالهمز بدل الهاء ، وهي أم إسماعيل ، عليه الصلاة والسلام ، وهو اسم سرياني ، ويقال : إن أباها كان من ملوك القبط ، وأصلها من قرية بأرض مصر تدعى : حفن ، بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء . قوله : ( فأتته ) ، أي : فأتت هاجر إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، والحال أنه يصلي . قوله : ( فأومأ بيده ) ، أي : أشار بيده . قوله : ( مهيا ) ، بفتح الميم وسكون الهاء وتخفيف الياء آخر الحروف مقصوراً ، وهذه رواية المستملي ، وفي رواية ابن السكن : ( مهين ) ، بالنون في آخره ، وفي رواية الأكثرين : ( مهيم ) ، بالميم في آخره ، والكل بمعنى واحد وهو أنها كلمة يستفهم بها معناها : ما حالك ؟ وما شأنك ؟ ويقال : إن إبراهيم أول من قال هذه الكلمة . قوله : ( رد الله كيد الكافر في نحره ) ، هذا مثل تقوله العرب لمن أراد أمراً باطلاً فلم يصل إليه ، وفي رواية مسلم : ( كف الله يد الفاجر وأخدم خادماً ) .